أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

54

نثر الدر في المحاضرات

أهله ، ونعوذ باللّه أن أذكر به وأنساه ، خرجنا من المدينة مدينة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاثون رجلا ممن أخرجته الحاجة ، وحمل على المكروه لا يمرضون مريضهم ، ولا يدفنون ميّتهم ، ولا ينتقلون من منزل إلى منزل ، وإن كرهوه ، واللّه يا قوم ، لقد جعت حتى أكلت النوى المحرق ، ولقد مشيت حتى انتعلت الدّم ، وحتى خرج من قدمي لحم كثير . أفلا رجل يرحم ابن سبيل ، أذل طريق ، ونضو سفر ، فإنه لا قليل من الأجر ، ولا غنى عن اللّه عز وجل ، ولا عمل بعد الموت ، وهو يقول جل ذكره : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ [ البقرة : 245 ] مليّ ، وفيّ ، ماجد ، واجد لا يستقرض من عوذ ولكنه يبلو الأخيار . قال : فبلغني أنّه لم يبرح حتّى أخذ ستّين دينارا . قال سفيان الثوري « 1 » : سمعت سوداء بعرفة تقول : يا حسن الصّحبة : أسألك سترا لا تهتكه الرياح ، ولا تخرقه الرماح . وكان من دعاء ابن السّماك : اللهم إنا نحبّ طاعتك وإن قصرنا ، ونكره معصيتك وإن ركبناها ، اللهم فتفضّل علينا بالجنة وإن لم نكن أهلها ، وخلّصنا من النار وإن كنّا قد استوجبناها . ووقفت امرأة من الأعراب من هوازن على عبيد الرحمن بن أبي بكرة فقالت : أصلحك اللّه ، أقبلت من أرض شاسعة ، يرفعني رافعة ، ويخفضني خافضة بملمات من البلاء ، وملمات من الدهور برين عظمي ، وأذهبن لحمي ، وتركنني والهة أمشي بالحضيض ، وقد ضاق بي البلد العريض ، لا عشيرة تحميني ، ولا حميم يكفيني ، فسألت في أحياء العرب من المرجو سيبه ، المأمون عيبه ، المكفيّ سائله ، الكريمة شمائله ، المأمول نائله ، فأرشدت إليك ، وأنا امرأة من هوازن ، مات الوالد ، وغاب الرّافد ، وأنت بعد اللّه غياثي ، ومنتهى أملي ، فاصنع إليّ إحدى ثلاث : إما أن تقيم أودي ، أو تحسن صفدي ، أو تردّني إلى

--> ( 1 ) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، أبو عبد اللّه الكوفي ، إمام في علم الحديث وغيره من العلوم ، وأحد الأئمة المجتهدين ، توفي سنة 161 ه . ( انظر ترجمته في : تهذيب التهذيب 4 / 111 ، وفيات الأعيان 1 / 263 ، وتاريخ بغداد 1 / 151 ) .